محمد عبد الكريم عتوم
211
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
أو السنة النبوية المؤكدة ، بل اقتضتها ظروف وأوضاع معينة في سالف الزمان لم تعد موجودة في عصرنا الحاضر . وبالتالي فلا بد من قيام المسلمين جميعاً ، بإعادة تقييم المؤسسة الشورية التي لها صلاحيات النظر في أعمال الحاكم وسيرته ، ولها الحق في عزله ، كما لها الحق في توليته ، فلو وُجدت هذه المؤسسة ومارست مسئوليتها بصورة واضحة وكاملة ، لاستوت الأمور ولم تحدث الفتنة والخلافات . كما أنه لا بد من الإقرار بأن معظم الحكومات الإسلامية المتعاقبة ، عند السنة وعند الشيعة على السواء ، قد عملت على ترسيخ مقولات وتبريرات لأعمالهم وانحرافهم ، مبررين ذلك بحرصهم على وأد الفتنة ومنعها ، مكرسين مقولة " سلطان غشوم خير من فتنة لا تدوم " ، ومقولة " المستبد العادل " كوسيلة لقمع المعارضة السياسية للحكام وتكريس الاستبداد ، بحيث أصبح مصطلح المعارضة السياسية في الإسلام يكاد يترادف مع مفهوم الفتنة في معظم الأدبيات السياسية الإسلامية ، وهو ما انعكس سلباً على الفكر التربوي السياسي الإسلامي . كما ويرى الباحث ، ومن خلال مراجعة نقدية ، لمؤسسة رئاسة الدولة الإسلامية " مواصفات الحاكم وصلاحياته " عند كلٍّ من أهل السنة والجماعة ، وعند الشيعة الإمامية بصورة عامة ، باعتباره أحد أبرز موروثات الفقه السياسي الإسلامي ، فإنه يستدعي تطويراً يتناسب مع طبيعة العصر وأوضاع المسلمين ، حيث هناك تضخيم كبير لمؤسسة رئاسة الدولة ، سواء من حيث المواصفات التي يُشترط توفّرها في الرئيس ، أو من حيث الصلاحيات التي تفوّض إليه ، ويكاد يكون تاريخ الدولة الإسلامية قد بني في الواقع على ذلك . وإذا كان الشرع قد أحاط منصب الإمامة أو الخلافة بقسط مقدّر من المهابة بما كلّفه به من مهمّة حراسة الدين ، وما فرض في حقّه من الطاعة ، فإن الفقه السياسي كما يبدو لنا قد ضخّم من ذلك المنصب بما تجاوز به مقصد استتباب وحدة الأمة على أساس العدل المنتج للعمران والتقدم والازدهار ، إلى ما يغري الرئيس بأن يمارس الاستبداد ، وذلك بخلاف ما سار عليه الخلفاء الراشدون الذين أرسوا مبدأ التعاقد والذي يتبلور ويبدو واضحا في خطبة أبي بكر الصديق إثر توليه الخلافة " فإن رأيتموني على حق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فقوموني " ومقولة الخليفة عمر بن الخطاب " إذا رأيتم فيّ اعوجاجا فقوموني " « 1 » .
--> ( 1 ) - عبد الخالق ، 1998 ، 39 .